أبو الليث السمرقندي

169

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

عاصم بن أبي النجود - عن زر بن حبيش ، عن عبد اللّه بن مسعود قال : بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام ، وبين الكرسي وبين العرش مسيرة خمسمائة عام ، والعرش فوق الماء واللّه فوق العرش - أي بالعلو والقدرة - يعلم ما أنتم عليه . وقال الزجاج : قال ابن عباس : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ، يعني علمه ؛ وقال قوم : كرسيه ، قدرته التي يمسك بها السماوات والأرض ؛ وهذا قريب من قول ابن عباس . ثم أخبر عن قدرته فقال : وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما ، يقول : ولا يثقله حفظهما أي حفظ السماوات والأرض . وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ، أي الرفيع تعالى فوق خلقه ، العظيم يعني أعلى وأعظم من أن يتخذ شريكا . ويقال : يحمل الكرسي أربعة أملاك لكل ملك أربعة أوجه : وجه إنسان ووجه ثور ووجه أسد ووجه نسر ؛ أقدامهم في الصخرة التي تحت الأرضين ؛ هكذا قال الكلبي ومقاتل . ويقال : يدعو بالوجه الذي كوجه الإنسان لبني آدم ، ويسأل اللّه تعالى لهم الرزق والرحمة والمغفرة ؛ وبالوجه الذي كوجه الثور يدعو للأنعام والرزق ؛ وبالوجه الذي كوجه الأسد يدعو للوحوش ؛ وبالوجه الذي كوجه النسر يدعو للطيور . وروي عن محمد بن الحنفية أنه قال : لما نزلت آية الكرسي ، خرّ كل صنم في دار الدنيا ، وخرّ كل ملك في الدنيا على وجهه ، وسقطت التيجان عن رؤوسهم ، وهربت الشياطين فضرب بعضهم بعضا ، فاجتمعوا إلى إبليس وأخبروه بذلك ، فأمرهم أن يبحثوا عن ذلك ، فجاؤوا إلى المدينة ، فبلغهم أن آية الكرسي قد نزلت . وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من قرأ آية الكرسي خلف كلّ صلاة ، أعطاه اللّه تعالى صلاة الشّاكرين وصلاة المطيعين وصلاة الصّابرين ، ولا يمنعهم دخول الجنّة إلّا الموت » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 256 ] لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 256 ) قوله تعالى : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ، يعني لا تكرهوا في الدين أحدا ، بعد فتح مكة وبعد إسلام العرب . قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ، أي قد تبين الهدى من الضلالة . ويقال : قد تبين الإسلام من الكفر ، فمن أسلم وإلا وضعت عليه الجزية ولا يكره على الإسلام . فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ، يعني بالشيطان ويقال : الصنم . ويقال : هو كعب بن الأشرف ، وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى ، يقول : بالثقة يعني بالإسلام . ويقال : فقد تمسك بلا إله إلا اللّه . لَا انْفِصامَ لَها ، يعني لا انقطاع لها ولا زوال لها ولا هلاك لها .